محمد أبو زهرة

1803

زهرة التفاسير

العلماء ، أما الكفارة فهي موضع نظر ، وأميل إلى وجوبها ؛ لأن التحرز عن دم الذمي أو المعاهد كالتحرز من دم المسلم ، لأنه معصوم الدم كالمؤمن على سواء ، وموجبات الأمن لأهل الدولة الواحدة ثابتة ، ولأن الكفارة عبادة ، وعتق أهل الإيمان أمر مرغوب فيه . الفرع الثاني : إذا قتل الذمي ذميا ، فإن الدية بلا ريب واجبة ؛ لأنها تعويض لأسرة القتيل ، ولأنها في معنى القصاص من القاتل قتلا خطأ ، وأما الكفارة فإنها عبادة ، فلا تجب على غير المسلم ، وخصوصا أن فيها صوم شهرين متتابعين ، والصوم عبادة إسلامية ، والأمر فيه بين العبد وربه ، والصوم يكون حيث لا توجد الرقبة . فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً أي فمن لم يجد رقبة مؤمنة يعتقها ، فالواجب في الكفارة ، حيث تجب ، صيام شهرين متصلين في أيامهما ، لا يفرق بينها فطر ، بحيث لو أفطر يوما فيها استأنف من جديد ابتداء الشهرين ، إلا أن يكون إفطار اليوم لعذر كمرض أو سفر مضطر إليه ، وخالف في ذلك أبو حنيفة والشافعي ، وقررا وجوب الاستئناف من جديد ، ولو كان الإفطار لعذر قاهر . والآية تصرح بأن سبب الكفارة هو التوبة والرجوع إلى الله تعالى من تقصير في التقدير . وقد يقال : إذا لم يكن إثم فمن أي شئ تكون التوبة ، مع أنه باتفاق العلماء لا إثم في الخطأ ؟ ونقول : إن إثم القتل لا يتحقق عند الخطأ كما نقلنا من قبل ، ولكن التقصير قد يكون ثابتا ، والتوبة إنما هي من هذا التقصير ، والحمل على الاحتياط والتحرز في المستقبل ، والكفارة مذكر مستمر بالتقصير حتى لا يتكرر من بعد . وقد ذيل الله تعالى النص الكريم بذكر اتصافه بأنه عليم بكل شئ ، عليم بالنفوس وحركاتها ومداها ، وعليم بما يقع من الأعمال ، ويجول في النفوس والخواطر ، وهو المدبر لكل شئ بحكمته ، والذي يشرع الأحكام على مقتضى المصلحة الإنسانية العالية .